السيد الطباطبائي

45

تفسير الميزان

الاذعان بالتوحيد والنبوة والمعاد وهي أصول الدين ، ويلزم ذلك استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيته ، واستعمال ما في وسع الانسان من مال وجاه وعلم وفضيلة لاحياء هذا الامر ونشره ، وهذان هما الصلاة والانفاق . ومن هنا يعلم : ان الذي اخذه سبحانه من أوصافهم هو الذي يقضي به الفطرة إذا سلمت وانه سبحانه وعدهم انه سيفيض عليهم أمرا سماه هداية ، فهذه الأعمال الزاكية منهم متوسطة بين هدايتين كما عرفت ، هداية سابقة وهداية لاحقة ، وبين الهدايتين يقع صدق الاعتقاد وصلاح العمل ، ومن الدليل على أن هذه الهداية الثانية من الله سبحانه فرع الأولى ، آيات كثيرة كقوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) إبراهيم - 27 . وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ) الحديد - 28 . وقوله تعالى : ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم ) محمد صلى الله عليه وآله وسلم - 7 . وقوله تعالى : والله لا يهدي القوم الظالمين ) الصف - 7 . وقوله تعالى : ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) الصف - 5 . إلى غير ذلك من الآيات . والامر في ضلال الكفار والمنافقين كما في المتقين على ما سيأتي انشاء الله . وفي الآيات إشارة إلى حياة أخرى للانسان كامنة مستبطنة تحت هذه الحياة الدنيوية ، وهي الحياة التي بها يعيش الانسان في هذه الدار وبعد الموت وحين البعث ، قال تعالى : ( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) الانعام - 123 وسيأتي الكلام فيه انشاء الله . وقوله سبحانه : يؤمنون الايمان ، تمكن الاعتقاد في القلب مأخوذ من الامن كأن المؤمن يعطي لما امن به الامن من الريب والشك وهو آفة الاعتقاد ، والايمان كما مر معنى ذو مراتب ، إذ الاذعان ربما يتعلق بالشئ نفسه فيترتب عليه اثره فقط ، وربما يشتد بعض الاشتداد فيتعلق ببعض لوازمه ، وربما يتعلق بجميع لوازمه فيستنتج منه ان للمؤمنين طبقات على حسب طبقات الايمان . وقوله سبحانه : بالغيب ، الغيب خلاف الشهادة وينطبق على ما لا يقع عليه الحس ، وهو الله سبحانه وآياته الكبرى الغائبة عن حواسنا ، ومنها الوحي هو